القرطبي

115

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وكان سعد بن أبي وقاص ؛ وسعيد بن زيد ، قد عهدا أن يحملا من العقيق إلى البقيع مقبرة المدينة فيدفنا بها « 1 » . وذلك - واللّه أعلم - لفضل علموه هناك ؛ قال : فإن فضل المدينة غير منكور ولا مجهول « 2 » ؛ ولو لم يكن إلّا مجاورة الصالحين والفضلاء من الشهداء وغيرهم لكفى . وروي عن كعب الأحبار أنه قال لبعض أهل مصر ؛ لما قال له : هل لك من حاجة ؟ فقال : نعم ؛ جراب من تراب سفح المقطّم ؛ يعني : جبل مصر ؛ قال : فقلت له : يرحمك اللّه ؛ وما تريد منه ؟ قال : أضعه في قبري ؛ فقال له : تقول هذا وأنت بالمدينة ، وقد قيل في البقيع ما قيل ، قال : إنّا نجد في الكتاب الأول أنه مقدّس ما بين القصير إلى اليحموم . فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : البقاع لا تقدّس أحدا ولا تطهّره ؛ وإنّما الّذي يقدّسه من وضر الذنوب ودنسها ؛ التوبة النصوح ، مع الأعمال الصالحة ، أما إنه قد يتعلق بالبقعة تقديس ما ، وهو إذا عمل العبد فيها عملا صالحا ، ضوعف له بشرف البقعة مضاعفة تكفّر سيئاته ، وترجح ميزانه ؛ وتدخله الجنة ؛ وكذلك تقديسه إذا مات على معنى التتبع لصالح العمل ؛ لا أنها توجب التقديس ابتداء . وقد روى مالك ؛ عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، قال : « ما أحبّ أن أدفن بالبقيع ، لأن أدفن في غيره أحب إليّ » . ثم بين العلة ، فقال : « مخافة أن تنبش لي عظام رجل صالح ؛ أو نجاور فاجرا » « 3 » . وهذا تستوي فيه سائر البقاع ، فدل على أن الدفن بالأرض المقدسة ليس بالمجمع عليه ، وقد يستحسن الإنسان أن يدفن بموضع قرابته وإخوانه وجيرانه ؛ لا لفضل ولا لدرجة . فصل إن قال قائل : كيف جاز لموسى عليه السلام أن يقدم على ضرب ملك الموت حتى فقأ عينه ، فالجواب من وجوه ستة : الأول : أنّها كانت عينا متخيّلة ، لا حقيقة لها ، وهذا القول باطل ؛ لأنه يؤدي

--> ( 1 ) أخرجه مالك في « الموطأ » ( 1 / 151 / 31 ) - كتاب الجنائز - ( 10 ) باب ما جاء في دفن الميت . ( 2 ) انظر في ذلك ؛ « الأحاديث الواردة في فضائل المدينة جمعا ودراسة » للدكتور صالح بن حامد بن سعيد الرفاعي ، نشر دار الخضيري بالمدينة النبوية . ( 3 ) أخرجه مالك ( 1 / 151 / 32 ) .